فخر الدين الرازي
100
شرح الفخر الرازى على الاشارات
ويتلو هذه النفوس نفوس أخرى بشرية مترددة بين جهتي الربوبية والسفالة على درجاتهما ثم يتلوها النفوس المغموسة في عالم الطبيعة المنحوسة التي لا مفاصل لرقابها المنكوسة ) التفسير مراتب الموجودات المجردة خمس فالمرتبة الأولى الموجود المجرد عن العلائق الجسمانية الواجب الوجود لذاته وهو مبتهج بذاته لذاته لان ادراك الكامل من حيث إنه كامل يقتضى حب ذلك الكامل وعشقه ولما كان هو تعالى أكمل الموجودات وادراكه لكمال نفسه أقوى الادراكات وجب أن يكون حبه تعالى لذاته كاملا وهذا هو المراد من قول الحكماء انه تعالى عاشق ومعشوق ولقائل أن يقول أتدعون ان حب الشيء للشيء هو نفس ادراكه له أو تعترفون بكونه مغايرا له لكنكم تزعمون أن ادراك الكامل من حيث هو كامل يوجب حب ذلك الكامل فإن كان الأول كان الاستدلال بالادراك على الحب استدلالا بالشيء على نفسه وان كان الثاني فنقول ان ادراكة تعالى مخالف لادراك غيره لسائر الكمالات والمختلفات لا يجب اشتراكها في الاحكام فلم قلتم انه لما كان ادراكنا للأشياء الكاملة يوجب كوننا محبين لها يلزم أن يكون ادراكه تعالى لذاته يوجب كونه تعالى محبا لذاته فهذا ما في هذه المسألة ثم قالوا وكما أنه سبحانه مبتهج بذاته فكل من عرفه لا بد وأن يكون مبتهجا به لكن كل من كان ادراكه أتم كمالا كان ابتهاجه به أشد فلا جرم كان ابتهاج الملائكة به على قدر مراتبهم في العلم به تعالى وكذا القول في النفوس البشرية المرتبة الثانية مرتبة العقول المجردة وهي مبتهجة بالبارى تعالى وبأنفسهم أيضا لما فيها من الكمالات الحاضرة المرتبة الثالثة النفوس البشرية المستغرفة في محبة اللّه على ما سيأتي تفصيل درجاتها في المعرفة في النمط التاسع المرتبة الرابعة النفوس البشرية المترددة بين جهتي الربوبية والسعادة المترتبة الخامسة النفوس المستغرقة في محبة العلائق الجسمانية واعلم أنه فرق بين العشق والشوق والعشق هو الابتهاج بتصور موجود كامل من حيث هو كامل وأما الشوق فلا يحصل الا عند الوصول من وجه والغيبة من وجه فان من يخيل معشوقه فذلك المعشوق حاضر عند الخيال لكنه غائب عن الحس فلأجل الحضور عند الخيال يحصل نوع لذة وطلب ولأجل الغيبة عن الحس يحصل نوع ألم فيحصل هناك لذات وآلام متعاقبة ممتزجة واللذة إذا حصلت عقيب الألم كان الشعور بها أتم والابتهاج بها أشد وإذا عرفت هذا فالشوق على واجب الوجود وعلى العقول المفارقة محال بل هو من خواص النفوس البشرية ( تنبيه [ في إثبات ما أثبته لبعض الجواهر العاقلة من العشق والشوق ] فإذا نظرت في الأمور وتأملتها وجدت لكل شيء من الأشياء الجسمانية كمالا يخصه وعشقا اراديا أو طبيعيا لذلك الكمال وشوقا طبيعيا أو إراديا اليه إذا ما فارقه رحمة من العناية الأولى على النحو الذي به عناية فهذه جملة ولتجد في العلوم المفصلة لها تفصيلات ) التفسير اعلم أن لكل موجود كمالا ولذلك الموجود عشقا على ذلك الكمال وشوقا اليه عند فواته فان لكل نوع صورة نوعية مقومة لماهيته وتلك الصورة تقتضى حصول الكمالات اللائقة بذلك النوع فهذا هو المعنى بالشوق وهذا بحث خطابي وللشيخ فيه رسالة مفردة من أرادها طالعها فلا فائدة في اطنابنا فيه ( النمط التاسع في مقامات العارفين ) قال المصنف رضى اللّه تعالى عنه هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب فإنه رتب علوم الصوفية ترتيبا ما سبقه اليه من قبله ولا لحقه من بعده وهو مرتب على ثلاثة أقسام فالأول في كليات هذا الباب والثاني في كيفية درجات العارفين وترقيهم فيها والثالث في شرح أحوالهم القسم الأول في كليات هذا الباب خمس مسائل ( المسألة الأولى ) في بيان فضيلة العارفين على الاجمال فصل واحد